جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعليق الهجوم على إيران لمدة أسبوعين وموافقة طهران وإسرائيل عليه لاستكمال المفاوضات بين الجانبين، ليجنب العالم حرباً كادت تعصف بالشرق الأوسط وتضعه في اًتون معركة كان من الصعب أن يتنبأ أحد بنهايتها، إذ كانت مرشحة للتوسع بتدخل عدد كبير من دول العالم فيها خصوصاً من الشرق الأوسط، بعد أن توقع البعض استخدام الولايات المتحدة أو إسرائيل للأسلحة النووية لإنهائها، وتهديد الصين بالرد في حال خروج الأمور عن السيطرة، لكن هذه النهاية التي لم يتوقعها أحد بتعليق الهجوم وضعت حداً للخسائر التي طالت جميع دول العالم بسبب إرتفاع أسعارالنفط، وهنا نأتي إلى السؤال المهم، لماذا تراجع ترامب 180 درجة ووافق على المبادرة الإيرانية التي تحتوي على عشرة شروط رغم حديثه المستمر عن إعادة إيران إلى العصر الحجري؟ أرى أن السبب الأول هو الضغوط الداخلية الأمريكية على ترامب بسبب إرتفاع أسعار الوقود وتالياً العديد من السلع، وهو ما جعل الشعب غير قادر على تحمل تبعات هذه الحرب بعد أن تأكد أنه لا ناقة له فيها ولا جمل، ولذا شارك الملايين في مظاهرات "لا ملوك" التي هزت البيت الأبيض، وذلك بالتزامن مع ضغوط الحزب الديمقراطي في الكونجرس والتي وصلت إلى حد التهديد بعزل ترامب بعد أن أيقن الجميع الفخ الذي سقط فيه، وخوضه هذه الحرب من أجل إسرائيل التي ترغب في فرض سيطرتها على المنطقة وتحقيق حلم نتنياهو في إقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أما السبب الثاني لموافقة ترامب على تعليق الحرب لمدة أسبوعين فهو اخفاق اعتقاده بأنه سيلجأ إلى الحرب المفاجئة أو حرب البرق، وهي استراتيجية عسكرية هجومية تعتمد على السرعة الفائقة، والكثافة النارية، وعنصر المفاجأة لشل قدرة العدو الدفاعية وإرباك قواته قبل التمكن من الرد والتي اشتهر بها الجيش الألماني في الحرب العالمية الثانية، وتعد عاملاً حاسماً لإلحاق الهزيمة السريعة، حيث تفشل الأطراف المُهاجَمة في الاستجابة الفعالة والرد السريع وتالياً خسارة الحرب في بدايتها وهو ما أقنع به نتنياهو ترامب، وما دفع أمريكا وإسرائيل إلى اغتيال المرشد على خامنئي في أول أيام الحرب إضافة لعدد كبير من القادة الإيرانيين وتدمير البنى التحتية بعد أن اعتقدا أن هذه الحرب الخاطفة ستدفع الشعب الإيراني إلى الثورة على النظام وتالياً سقوطه سريعاً وبذلك تتحقق أهدافها سريعاً، لكن سرعان ما أعاد الإيرانيون تنظيم صفوفهم وواصلوا القتال بضراوة حتى أجبروا ترامب على قبول وقف إطلاق النار، خصوصاً مع تزايد الغضب الشعبي الأمريكي والدولي نتيجة إغلاق مضيق هرمز، ورفض حلف النيتو دعم الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما غير القانونية على إيران، وهنا نأتي إلى السؤال الأهم: هل انتصرت إيران على أمريكا في الحرب؟.
أستطيع أن القول إن إيران حققت إنتصاراً معنوياً تاريخياً نتيجة ثباتها وعدم استسلامها كما طلب منها ترامب بل ظلت تقاوم العدوان حتى اللحظات الأخيرة رغم الحظر المفروض عليها منذ ما يزيد على 30 عاماً وعدم قدرتها على استيراد أسلحة حديثة للدفاع عن نفسها، ولذا اكتفت بتصنيع الصواريخ التي دمرت بها البنى التحتية الإسرائيلية، ورغم تصريحات ترامب بأن أمريكا حققت نصراً كاملاً وشاملاً إلا أن العالم ينظر الاَن إلى طهران بعين الفخر بعد أن واجهت أكبر اَلة عسكرية والجيش الأقوى كما يصفه ترامب، وأسقطت عددا من طائراته فضلاً عن مقتل وإصابة عشرات الجنود والضباط الأمريكان، وسقوط المئات من جنود ومواطني الاحتلال ما بين قتيل وجريح خلال هذه الحرب، التي استمرت 40 يوماً لتتوقف بعدها طلقات الرصاص ويعود الهدوء تدريجياً إلى منطقة الشرق الأوسط، التي شهدت توتراً عسكرياً بالغاً راح ضحيته الاَلاف، لتبدأ مفاوضات مباشرة لأول مرة منذ بدء القتال لإنهاء الصراع إلى الأبد، حيث تطالب إيران بضمانات دولية لإنهاء الهجمات، ورفع العقوبات، قبل أن تتحول الحرب إلى استنزاف طويل الأمد، بعد أن وافقت الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، على وقف مؤقت لإطلاق النار، لإفساح المجال للدبلوماسية، وذلك بعدما طرحت باكستان مبادرة شملت فتح مضيق هرمز ووقف النار لأسبوعين.
جاءت موافقة الرئيس الأمريكي والقيادات الإيرانية على مقترح هدنة الأسبوعين، استجابة لرئيس وزراء باكستان شهباز شريف،الذي دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى تمديد المهلة، كما طلب من طهران فتح مضيق هرمز خلال المدة ذاتها كبادرة حسن نية، بعد رفض طهران هدنة الـ 45 يوماً وإصرارها أن يكون وقف الحرب نهائياً، وقدمت إيران للوسيط الباكستاني عشرة شروط للموافقة هي إنهاء النزاعات في المنطقة، ووضع بروتوكول للمرورالآمن عبر مضيق هرمز، وإعادة الإعمار، ورفع العقوبات، إضافة إلى عدم تعرض إيران للهجوم مجدداً، ووقف الضربات الإسرائيلية ضد حلفاء إيران في المنطقة ومنهم حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، فضلاً عن رفع جميع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، وتطبيق بروتوكول جديد لضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز بالتنسيق مع سلطنة عمان، وإعادة إعمار البنية التحتية الإيرانية المتضررة، وإنهاء الأعمال العدائية في المنطقة، وهي الشروط التي وافق عليها ترامب على أن تكون أساساً للتفاوض بين الدولتين خلال الاجتماعات التي ستعقد بداية من الجمعة المقبلة في إسلام أباد.
الاَن يلوح في الأفق تشكيل تحالفات جديدة في الشرق الأوسط تعيد رسم خارطة العالم بعد هذه الحرب، وتخلي حلف النيتو عن ترامب ورفضه المشاركة في دعم الولايات المتحدة، إذ قد يؤدي ذلك إلى خروج واشنطن من الحلف وفقاً لتهديدات ترامب المتكررة الذي وصفه بحلف من ورق، وفي حال تنفيذ ترامب لتهديده سيصبح الحلف أكثر ضعفاً، وتالياً أصبح مهدداً بالتفكك ولذا قد تلجأ أوروبا إلى تشكيل تحالف جديد من دول القارة بعيداً عن الولايات المتحدة، وأرى أن الصين قد يزداد تقاربها من روسيا ويشكلان تحالفاً جديداً للوقوف في وجه الهيمنة الأمريكية التي تضيع يوماً بعد يوم وفقاً لاعترافات أمريكا نفسها والتي جاءت في وثيقة "أمريكا أولاً" بتحول واشنطن من شرطى العالم إلى السيطرة على الأمريكتين والابتعاد عن الشرق الأوسط، كما أتوقع أن يعود الحوار العربي لتشكيل جيش عربي موحد بقيادة مصر والسعودية، فضلاً عن إمكانية تشكيل تحالف جديد من مصر والسودية وتركيا وباكستان وهو ما تخشاه إسرائيل وأعلنت عن تشكيل تحالف مضاد يضم اليونان وقبرص ودول أخرى من بينها دول عربية كما أعلن نتنياهو لكنه لم يفصح عنها حتى الاَن.
فقدت أمريكا 7 طائرات في الحرب حتى الان منها ثلاث طائرات من طراز F-15 بواسطة الدفاعات الجوية الكويتية في حادثة "نيران صديقة" فوق الأجواء الكويتية وقد تمكن جميع أفراد الأطقم الستة من القفز بالمظلات بسلام، فيما صرح وزير الدفاع الأمريكي "بيت هيغسيث" بأن الطيارين الثلاثة قد عادوا للمشاركة في العمليات القتالية ضمن الغارات الجوية على إيران، فيما قُتل ستة من أفراد الأطقم الجوية الأمريكية إثر تحطم طائرتهم المخصصة للتزود بالوقود من طراز( KC- 135 ) في العراق، وذكر الجيش الأمريكي أن طائرة التزود بالوقود لم تُسقط بنيران معادية ولا صديقة، بل تعرضت لحادث تصادم مع طائرة أخرى أثناء مشاركتها في عملية "الغضب الملحمي، في حين لفت الجيش إلى أن الطائرة الثانية تمكنت من الهبوط بسلام، ودُمرت طائرة تابعة للقوات الجوية الأمريكية من طراز( E-3ـ Sentr ) المخصصة للإنذار المبكر والتحكم الجوي، وهي على أرضية المطار، وذلك خلال هجوم إيراني استهدف قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية؛ وهو ما أظهرته صور فوتوغرافية تم تحديد موقعها الجغرافي والتحقق منها، أن الهجوم على القاعدة الجوية السعودية أسفر عن إصابة ما لا يقل عن 10 من أفراد الخدمة العسكرية الأمريكية، ولم يتم الإبلاغ عن وقوع أي وفيات كما أفادت مصادر بأن طائرة أخرى تابعة للقوات الجوية الأمريكية، وهي طائرة تزود بالوقود، قد تعرضت لأضرار أيضاً، وهبطت طائرة مقاتلة أمريكية من طراز F-35 هبوطاً اضطرارياً في قاعدة جوية أمريكية بمنطقة الشرق الأوسط الشهر الماضي، وذلك بعد تعرضها لإصابة يُعتقد أنها ناجمة عن نيران إيرانية؛ وهو ما كشف عنه لشبكة CNN مصدران مطلعان على تفاصيل الواقعة.
لم يكن أحد في العالم يهتم أو يعرف مضيق هرمز قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ذلك الممر الملاحي الضيق الذي يربط منطقة الخليج العربي بخليج عمان والمحيط الهندي، ولذا بات يتميز بأهمية إستراتيجية بالغة على المستويين الإقليمي والدولي، بعد أن تمكنت إيران من إغلاقه أمام الملاحة رغم مرور نحو 20 % من نفط العالم من دول الخليج المطلة على الخليج إلى العالم ما أدى لصدمة في الأسواق العالمية وارتفاع أسعار الوقود في كافة الدول باعتباره المنفذ البحري الوحيد من الخليج العربي إلى العالم، ورفض العديد من الدول المشاركة في الحرب العدوانية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران من أجل فتح المضيق، الذي يعتبر من أهم الممرات الملاحية الحيوية في العالم، ويُعدّ أحد الشرايين الأساسية للتجارة الدولية، إذ يمرعبره نحو 15% من حجم التجارة العالمية.
يمرعبرمضيق هرمز 20% من حجم النفط الذي يستخدمه العالم بما يعادل نحو 20 مليون برميل يومياً، إضافة إلى نحو 20% من الغاز الطبيعي المسال، لكن العدوان العسكري للقوات الأمريكية والإسرائيلية داخل إيران دفع طهران لتعطيل حركة الملاحة عبر هذا المضيق الاستراتيجي، ودعت عبر مفاوضات تقودها باكستان ومصر وتركيا لوقف الأعمال العدائية مقابل إعادة فتح المضيق، لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجه ضربة قاضية لآمال إنهاء القتال، في خطاب وجهه إلى الأمة الأمريكية إذ لم يكتف ترامب بتجنب توضيح الكيفية التي سيسعى بها البيت الأبيض للتفاوض على وقف لإطلاق النار، بل هدد أيضاً بقصف إيران وإعادتها إلى العصور الحجرية، داعياً الدول المستفيدة من المضيق بعمل عسكري ضد إيران من أجل فتح المضيق، الذي تحوّل إلى ساحة تنبئ بحرب مقبلة أمام التصعيد العسكري من جانب الأطراف المتحاربة مع تعثر حركة السفن وارتفاع كلفة الطاقة، إذ بدأت دول كبرى تبحث عن صيغة تعيد هذا الشريان الحيوي إلى طبيعته من دون دفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة واتساع الحرب وهو ما تسعى إليه أمريكا وإسرائيل.
وأقول لكم، إن إنجلترا وفرنسا كانتا تستعدان لتشكيل تحالف دولي لإعادة فتح مضيق هرمز، بعد أن هددت الحرب شريان الطاقة العالمي، وتحول إلى نقطة اختناق للاقتصاد الدولي، وترأست وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، اجتماعاً افتراضياً ضم أيضاً ألمانيا وكندا والهند، لبحث سبل إعادة فتح المضيق، بعد أن أدى إغلاقه الفعلي من جانب إيران إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار في العالم، وتأثر الدول المطلة عليه اقتصادياً، من الشمال والشرق إيران، ومن الجنوب سلطنة عُمان التي تشرف على حركة الملاحة البحرية فيه إذ يأتي ممر السفن ضمن مياهها الإقليمية، فضلاً عن الكويت والبحرين والسعودية والإمارات، وتتألف شواطئ المضيق الشمالية من الجزء الشرقي لجزيرتي قشم ولاراك، فيما تتألف شواطئه الجنوبية من الساحلين الغربي والشمالي لشبه جزيرة رأس مسندم.، وبحكم موقعه المداري فإن ظروفه المناخية تجعله صالحا للملاحة طوال العام. ويبلغ طول مضيق هرمز نحو 167 كيلومترا، ويتراوح عرضه بين 33 و95 كيلومتراً تقريباً، بينما يصل عمقه ما بين 60 إلى 100 متر، وتنتشر فيه عدد من الجزر، يتبع بعضها لإيران مثل قشم وهرمز ولارك وهنجام، في حين تقع جزر أخرى تحت الإدارة العُمانية، ومن أبرزها مجموعة جزر سلامة وبناتها وجزيرة الغنم، إضافة إلى شبه جزيرة مسندم التي تشكّل الامتداد العُماني المطل على المضيق، لكن اليوم عادت حركة السفن إلى طبيعتها في المضيق بعد دخول الاتفاق الأمريكي الإيراني حيز التنفيذ ليجنب المنطقة المزيد من ويلات الحروب.
---------------------------
بقلم: أحمد الشامي
[email protected]






